محمد بن جرير الطبري

53

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

سوقة ، عن أبي الهيثم ، عن إبراهيم ، مثله . وقال آخرون : هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء نفعك . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ الملازم . وقال أيضا : رفيقك الذي يرافقك . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ الذي يلصق بك وهو إلى جنبك ، ويكون معك إلى جنبك رجاء خيرك ونفعك . والصواب من القول في تأويل ذلك عندي : أن معنى : وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ الصاحب إلى الجنب ، كما يقال : فلان بجنب فلان وإلى جنبه ، وهو من قولهم : جنب فلان فلانا فهو يجنبه جنبا ، إذا كان لجنبه ، ومن ذلك : جنب الخيل ، إذا قاد بعضها إلى جنب بعض . وقد يدخل في هذا الرفيق في السفر ، والمرأة ، والمنقطع إلى الرجل الذي يلازمه رجاء نفعه ، لأن كلهم بجنب الذي هو معه وقريب منه ، وقد أوصى الله تعالى بجميعهم لوجوب حق الصاحب على المصحوب . وقد : حدثنا سهل بن موسى الرازي ، قال : ثنا ابن أبي فديك ، عن فلان بن عبد الله ، عن الثقة عنده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم في غيضة طرفاء ، فقطع قصيلين أحدهما معوج والآخر معتدل ، فخرج بهما فأعطى صاحبه المعتدل وأخذ لنفسه المعوج ، فقال الرجل : يا رسول الله بأبي أنت وأمي ، أنت أحق بالمعتدل مني فقال : " كلا يا فلان ، إن كل صاحب يصحب صاحبا مسؤول عن صحابته ولو ساعة من نهار " . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن حيوة ، قال : ثني شرحبيل بن شريك ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن خير الأصحاب عند الله تبارك وتعالى خيرهم لصاحبه ، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره " . وإن كان الصاحب بالجنب معناه ما ذكرناه من أن يكون داخلا فيه كل من جنب رجلا يصحبه في سفر أو نكاح أو انقطاع إليه واتصال به ، ولم يكن الله جل ثناؤه خص بعضهم مما احتمله ظاهر التنزيل ؛ فالصواب أن يقال : جميعهم معنيون بذلك ، وبكلهم قد أوصى الله بالإحسان إليه . القول في تأويل قوله تعالى : وَابْنِ السَّبِيلِ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : ابن السبيل : هو المسافر الذي يجتاز مارا . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة وابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَابْنِ السَّبِيلِ هو الذي يمر عليك وهو مسافر . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وقتادة ، مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله : وَابْنِ السَّبِيلِ قال : هو المار عليك وإن كان في الأصل غنيا . وقال آخرون : هو الضيف . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : وَابْنِ السَّبِيلِ قال : الضيف له حق في السفر والحضر . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَابْنِ السَّبِيلِ وهو الضيف . حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك : وَابْنِ السَّبِيلِ قال : الضيف . حدثنا يحيى بن أبي طالب ، قال : ثنا يزيد ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك ، مثله . والصواب من القول في ذلك : أن ابن السبيل : هو صاحب الطريق ، والسبيل : هو الطريق ، وابنه : صاحبه الضارب فيه ، فله الحق على من مر به محتاجا منقطعا به إذا كان سفره في غير معصية الله أن يعينه إن احتاج إلى معونة ، ويضيفه إن احتاج إلى ضيافة ، وأن يحمله إن احتاج إلى حملان . القول في تأويل قوله تعالى : وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني بذلك جل ثناؤه : والذين ملكتموهم من أرقائكم . فأضاف الملك إلى اليمين ، كما يقال : تكلم فوك ، ومشت رجلك ، وبطشت يدك ،